الشوكاني
89
فتح القدير
مخططة بسواد وبياض ، وقيل بسواد وحمرة ، وقيل معروفة بأنها حجارة العذاب ، وقيل مكتوب على كل حجر من يهلك بها ، وقوله ( عند ربك ) ظرف لمسومة : أي معلمة عنده ( للمسرفين ) المتمادين في الضلالة المجاوزين الحد في الفجور . وقال مقاتل : للمشركين ، والشرك أسرف الذنوب وأعظمها ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ) هذا كلام من جهة الله سبحانه : أي لما أردنا إهلاك قوم لوط أخرجنا من كان في قرى قوم لوط من قومه المؤمنين به ( فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) أي غير أهل بيت . يقال بيت شريف ويراد به أهله ، قيل وهم أهل بيت لوط ، والإسلام : الانقياد والاستسلام لأمر الله سبحانه ، فكل مؤمن مسلم ، ومن ذلك قوله - قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا - وقد أوضح الفرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الإسلام والإيمان في الحديث في الصحيحين وغيرهما الثابت من طرق أنه سئل عن الإسلام فقال " أن تشهد أن لا إله إلا الله وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتحج البيت وتصوم رمضان " وسئل عن الإيمان فقال " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، والقدر خيره وشره " فالمرجع في الفرق بينهما هو هذا الذي قاله الصادق المصدوق ، ولا التفات إلى غيره مما قاله أهل العلم في رسم كل واحد منهما برسوم مضطربة مختلفة مختلة متناقضة ، وأما ما في الكتاب العزيز من اختلاف مواضع استعمال الإسلام والإيمان فذلك باعتبار المعاني اللغوية والاستعمالات العربية ، والواجب تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية ، والحقيقة الشرعية هي هذه التي أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأجاب سؤال السائل له عن ذلك بها ( وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم ) أي وتركنا في تلك القرى علامة ودلالة تدل على ما أصابهم من العذاب ، كل من يخاف عذاب الله ويخشاه من أهل ذلك الزمان ومن بعدهم ، وهذه الآية هي آثار العذاب في تلك القرى ، فإنها ظاهرة بينة ، وقيل هي الحجارة التي رجموا بها ، وإنما خص الذين يخافون العذاب الأليم لأنهم الذين يتعظون بالمواعظ ويتفكرون في الآيات دون غيرهم ممن لا يخاف ذلك وهم المشركون المكذبون بالبعث والوعد والوعيد . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عباس في قوله ( في صرة ) قال : في صيحة ( فصكت وجهها ) قال : لطمت . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) قال : لوط وابنتيه . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : كانوا ثلاثة عشر . سورة الذاريات ( 38 - 60 )